محمد أبو زهرة

1142

زهرة التفاسير

مستوليا على شعورهم فهم دائما يغلبون الخوف على الرجاء والضراعة على الطمع ، ولذا رتبوا على هذه الحالة طلبهم المغفرة وقالوا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ فهم دائما يحسون بعظم أخطائهم ، وذلك من قوة إيمانهم ، وقوة إذعانهم ؛ ولذلك يطلبون الستر والغفران ، والوقاية من النار ، وذلك كله من قوة الوجدان الديني ، وعظم سلطان النفس اللوامة ، والضمير المستيقظ ، فتكبر في نظرهم هفواتهم ، وتصغر حسناتهم ، ويعتقدون أنه لا جزاء إلا أن يتغمدهم اللّه برحمته . الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ هذه خمسة أوصاف للمؤمنين الصادقي الإيمان ، والمذعنين حق الإذعان : أولها : أنهم صابرون ، والصبر صفة الإيمان حقا وصدقا ، وقد حث عليه القرآن في أكثر من سبعين موضعا ، والصبر له شعب كثيرة ، منها وهي أدناها الصبر عند الشديدة ، وتحملها من غير أنين ولا شكوى ، وهذا هو الصبر الجميل ، فإن ضج الصابر وشكا فصبره غير جميل ، ومنها الصبر بضبط النفس عن الشهوات وقدعها عن الأهواء المردية ، وجعل العقل متحكما دائما ؛ وهذه مرتبة عالية في الصبر . ومنها الصبر على تحمل النعم ؛ فإن النعم تحتاج إلى صبر لكيلا يطغى الإنسان بسبب النعمة فتؤدى إلى الكفر بدل الشكر . ولقد قال تعالى : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( 10 ) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 11 ) [ هود ] . والوصف الثاني : أنهم صادقون ، والصدق من أكمل الصفات الإنسانية ، وهو شعب أيضا فمنها الإخبار بالحق ؛ ومنها أن يصدق نفسه ، فلا يخدعها ، ويزين لها سوء الأعمال ، ويغالط قلبه وحسه ؛ ومنها أن يتعرف عيوب نفسه بالحق ويتكشفها ويتعرفها ولا يسترها عن نفسه ، لتكون بين يديه ماثلة دائما فيستيقظ ضميره ، وهذا هو طريق التهذيب الروحي الحق .